المقريزي
836
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
اخرجوا إلى الدّين والدّنيا ، فإنّكم لستم في دين ولا دنيا . وزيد يقول : واللّه ما خرجت ، ولا قمت مقامي هذا ، حتى قرأت القرآن ، وأتقنت الفرائض ، وأحكمت السّنن والآداب ، وعرفت التأويل كما عرفت التّنزيل ، وفهمت الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والخاصّ والعامّ ، وما تحتاج إليه الأمّة في دينها ممّا لا بدّ لها منه ولا غنى لها عنه ، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي . فرماهم أهل المسجد بالحجارة من فوق المسجد ، فانصرف زيد فيمن معه ، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة ، فنزل دار الرّزق ، فأتاه الرّيّان وقاتله ، وخرج أهل الشّام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنّا . فلمّا كان من الغد ، أرسل يوسف بن عمر عدّة عليهم العبّاس بن سعد المزني ، فلقيهم زيد ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم أصحاب العبّاس ، وقتل منهم نحو من سبعين . فلمّا كان العشي ، عبّأ يوسف بن عمر الجيوش وسرّحهم ، فالتقاهم زيد بمن معه ، وحمل عليهم حتى هزمهم وهو يتبعهم . فبعث يوسف طائفة من الناشبة « a » ، فرموا أصحاب زيد ، وهو يقاتل حتى دخل الليل ، فرمي بسهم في جبهته اليسرى ثبت في دماغه . فرجع أصحابه ، ولا يظنّ أهل الشّام أنّهم رجعوا للمساء والليل ، فأنزلوا زيدا في دار ، وأتوه بطبيب فانتزع النصل ، فضجّ زيد ومات رحمه اللّه ، لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة ، وعمره اثنتان وأربعون سنة . ولمّا مات اختلف أصحابه في أمره ، فقال بعضهم : نطرحه في الماء ، وقال بعضهم : بل نحزّ رأسه ونلقيه في القتلى ، فقال ابنه يحيى بن زيد : واللّه لا يأكل لحم أبي الكلاب ، وقال بعضهم : ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء ، ففعلوا ذلك وأجروا عليه الماء . وكان معه مولى سندي فدلّ عليه ، وقيل رآهم قصّار فدلّ عليه . وتفرّق الناس من أصحاب زيد ، وسار ابنه يحيى نحو كربلاء ، وتتبّع يوسف بن عمر الجرحى في الدّور حتى دلّ على زيد في يوم جمعة ، فأخرجه ، وقطع رأسه وبعث به إلى هشام بن عبد الملك ، فدفع لمن وصل به عشرة آلاف درهم ، ونصبه على باب دمشق ، ثم أرسله إلى المدينة ، وسار منها إلى مصر . وأمّا جسده فإنّ يوسف بن عمر صلبه بالكناسة ، ومعه ثلاثة ممّن كانوا معه ، وأقام الحرس عليه . فمكث زيد مصلوبا أكثر من سنتين حتى مات هشام ، وولي الوليد من بعده ، وبعث إلى
--> ( a ) بولاق : الماشية .